محمود بن حمزة الكرماني
61
اسرار التكرار في القرآن
لأنهم قومه دون سائر الأقوام ، ولا يلعن قوما لأنهم ورثوا اللعنة من الآباء والأجداد ، حق الإنسان الإيمان باللّه رب العالمين . كلاهما معجزة إلهية تجلت بها قدرة اللّه على غير مثال سابق متسلسل عن أسبابه في بيئته ، ولا فيما جاورها من البيئات ، فإن السوابق التي سلفت قبل الإسلام كانت كسوابق المرض الذي يتطلب الشفاء ، ولم تكن كسوابق العلاج الذي ينتهى إلى الشفاء . وتلك هي السوابق التي تتجلى فيها قدرة اللّه على يد رسول من رسله ، ينبعث بالهداية ، موفقا بوحي من اللّه فيصنع المعجزة التي لم تمهد لها أسبابها ودواعيها ، لأن أسبابها الخفية ، ودواعيها الكامنة في السريرة الإنسانية تفوق ذرع العقول ، ولا تدخل في الحساب . . المرض الذي يؤدى إلى الموت سبب ، والمرض الذي ينتهى إلى العلاج سبب ، فإذا اختلط علينا السببان ، وجاء الشفاء من حيث نتوقع الهلاك ، فتلك معجزة إلهية علمها عند اللّه ، وأسبابها غير الأسباب التي نقدرها قبل وقوعها » . وهكذا يمتد نور القرآن ، فيداخل العقول في كل مكان على ظهر الأرض يكاد يشبه فعله فيها فعل الصدمات الكهربية في أدمغة المرضى العقليين ، إذ يفيقون بعدها وقد تفتحت عيونهم على الكون برؤية جديدة ، وإدراك رشيد ، ولم تكن تلك الموجات التي تروى الفكر في أرجاء الأرض هي موجات اللغة والأسلوب . كل ما في الأمر أن روح هذا القرآن صنعت المعجزة بين قوم عجزوا عن معارضته فأسلموا له القياد ، وبدأت بعد ذلك مسيرة القرآن في العالم الناطق بمختلف الألسنة واللغات ، واكتشف هؤلاء الأعاجم من أسرار القرآن ودلائل إعجازه وعظمته وتفوقه على كل الدساتير والمناهج العلمية في العالم كل ما لم يمارسه الناطقون بالعربية في عصرنا الحاضر . ألم يأن للمؤمنين أن يفتحوا أعينهم بعد ؟ ألم يأن لهم أن يجانبوا السفسطة وحب الظهور على حساب غمز القرآن ؟